المقريزي
88
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
محسوسا من غير توسط . فمن أجل ذلك ليس أبدان المصريين في مرض دائم ولكنها كثيرة الاستعداد نحو الأمراض . قال : أما أمراض مصر البلدية فقد ذكرنا من أمرها ما فيه كفاية وظهر أن أكثرها الأمراض الفضيلة التي يشوبها صفراء وخام على أن باقي الأمراض تحدث عندهم بسرعة ، وقرب وخاصة في آخر الخريف وأوّل الشتاء . وأما الأمراض الوافدة : ومعنى المرض الوافد : هو ما يعمّ خلقا كثيرا في بلد واحد وزمان واحد ومنه نوع يقال له : الموتان ؛ وهو الذي يكثر معه الموت ، وحدوث الأمراض الوافدة تكون عن أسباب كثيرة يجتمع في أجناس أربعة وهي تغير كيفية الهواء ، وتغير كيفية الماء ، وتغير كيفية الأغذية ، وتغير كيفية الأحداث النفسانية . فالهواء تغير كيفيته على ضربين : أحدهما تغيره الذي جرت به العادة ، وهذا لا يحث مرضا وافدا ، وليس تغيرا ممرضا . والثاني : التغير الخارج عن مجرى العادة وهذا هو الذي يحدث المرض الوافد . وكذلك الحال في الأجناس الباقية وخروج تغير الهواء عن عادته يكون : إما بأن يسخن أكثر ، أو يبرد أو يرطب ، أو يجفف أو يخالطه حال عفنة ، والحالة العفنة إما أن تكون قريبة أو بعيدة . فإن أبقراط وجالينوس يقولان : إنه ليس يمنع مانع من أن يحدث ببلد اليونانيين مرض وافد عن عفونة اجتمعت في بلاد الحبشة ، وتراقت إلى الجوّ وانحدرت على اليونانيين ، فأحدثت فيهم المرض الوافد . وقد يتغير أيضا مزاج الهواء عن العادة بأن يصل وفد كثير قد أنهك أبدانهم طول السفر ، وساءت أخلاطهم فيخالط الهواء منها شيء كثير ، ويقع الأعداء في الناس ، ويظهر المرض الوافد . والماء ضا قد يحدث المرض الوافد إما بأن يفرط مقداره في الزيادة أو النقصان ، أو يخالطه حال عفنة ويضطرّ الناس إلى شربه ، ويعفن به أيضا الهواء المحيط بأبدانهم ، وهذه الحال تخالطه إما قريبا أو بعيدا بمنزلة ما يمرّ في جريانه بموضع خرب قد اجتمع فيه من جيف الموتى شيء كثير ، أو بمياه تقاطع عفنة فيحذرها معه ويخالط جسمه ، والأغذية تحدث المرض الوافد . إما إذا لحقها اليرقان ، وارتفعت أسعارها ، واضطرّ الناس إلى أكلها ، وإما إذا أكثر الناس منها في وقت واحد ، كالذي يكون في الأعياد فيكثر فيهم التخم ، ويمرضون مرضا متشابها . وإما من قبيل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل ، أو فساد الماء الذي يشرب ، والأحداث النفسانية تحدث المرض الوافد متى حدث في الناس خوف عام من بعض الملوك فيطول سفرهم وتفكرهم في الخلاص منه ، وفي وقوع البلاء ، فيسوء هضمهم وتتغير حرارتهم الغريزية . وربما اضطروا إلى حركة عنيفة في هذه الحال ، أو يتوقعوا قحط بعض السنين فيكثرون الحركة والاجتهاد في ادّخار الأشياء ، ويشتد غمهم بما سيحدث . فجميع هذه الأشياء تحدث في أبدان الناس المرض الوافد متى كان المتعرض لها خلق كثير في بلد واحد ووقت واحد . وظاهر أنه إذا كثر في وقت واحد المرضى بمدينة واحدة ؛ ارتفع من أبدانهم بخار كثير فيتغير مزاج الهواء فإذا صادف بدنا مستعدّا أمرضه ، وإن